رمضان

التعريف بكتاب التنبيه والإعلام بوقت وجوب الإمساك لمريد الصيام، للعابد بن أحمد بن سودة
التعريف بكتاب التنبيه والإعلام بوقت وجوب الإمساك لمريد الصيام، للعابد بن أحمد بن سودة

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.


إنجاز الباحث: عبد الفتاح مغفور*

أما بعد؛

جعل الله عبادة صيام رمضان ركنا من أركان الإسلام، وحدد له مواقيت معلومة، وهي وقت دخول الشهر وخروجه، ووقت دخول اليوم وخروجه، ووقت التسحر، ووقت الإمساك، ووقت الإفطار، وأوقات الأداء والقضاء للصوم، واجبا كان أو نفلا، ووقت عقد نية الصيام،  والأوقات المنهي عن الصوم فيها، وكتاب "التنبيه والإعلام بوقت وجوب الإمساك لمريد الصيام" يعالج هذه المسائل المذكورة، مستدلا صاحبه على ذلك بالكتاب والسنة وأقوال الفقهاء، ولأهميته  ارتأيت التعريف به، وبمؤلفه، فأقول وبالله التوفيق.

أولا: التعريف بالمؤلف[1]:

هو محمد العابد بن أحمد بن الطالب، ابن سودة المري، مؤرخ فقيه. ولد عام اثنين وسبعين ومائتين وألف، كان فيها خطيب مسجد المولى إدريس أكثر من خمسين سنة. أخذ العلم عن والده أحمد ابن سودة، وعمه العلامة المهدي ابن سودة، والفقيه النوازلي سيدي أبو بكر بناني، وابن عمه العلامة الفرضي علي ابن سودة، والعلامة المشارك سيدي إبراهيم بن محمد ابن سودة وغيرهم. وممن أخذ عنه عبد السلام بن عبد القادر بن سودة، وقد صرح بذلك، قال: "وهو شيخي الأول ومربي روحي الذي أخذ بزمام ناصيتي منذ ولُدت ورباني أحسن تربية"[2].  وحلاه في اتحاف المطالع بقوله: " كان علامة مطلعا مشاركا خطيبا فصيحا مقتدرا، له أفكار صائبة وقومية ثابتة"[3].

له مؤلفات منها: "بغية الأكياس في معرفة قسم وادي فاس "، وسبب تأليف له أنه شجر خلاف بين أهلها في تقسيم الماء الداخل اليها من الوادي سنة 1336 هـ فكتبه، و"الأنباء المنشودة في رجال بيت بني سودة "، و"إزالة اللبس والشبهات عن ثبوت الشرف من قبل الأمهات"، و "مسامرة الأعلام، وتنبيه العوام، بكراهية القيام لمولد خير الأنام"، و"روضة الأفراح ونزهة الأكياس في الرد على من لمز محارب مدينة فاس، و"بغية الأرب ببعض ما يتعلق بصيام رجب"، و"استنزال الرحمات بالطبع والنغمات"، إلى غير ذلك من التآليف.

توفي صباح يوم الأحد سابع صفر سنة (1359 هـ)، ودفن بروضة العراقيين بحوانيت السيد عبد الله.

التعريف بالمؤلف:

يعد هذا الكتاب الجليل المسمى بـ " التنبيه والإعلام بوقت وجوب الإمساك لمريد الصيام " لمؤلفه محمد العابد بن أحمد ابن سودة أمن أجل ما ألف في تحديد وقت وجوب الإمساك لمن أراد الصيام، فهو كتاب حافل بالأحكام وأدلتها من القرآن والسنة وأقوال الفقهاء في هذا الباب، استهل رحمه الله كتابه هذا ـ بعد البسملة والتصلية والحمدلة مصرحا بتسميته ـ بقوله: "وبعد فيقول العبد الحقير المعترف بالعجز والتقصير العابد بن أحمد بن سودة المري: هذا تقييد مسمى بالتنبيه والإعلام بوقت وجوب الإمساك لمريد الصيام"[4].   

وتناوله رحمه الله في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة.

أما المقدمة فهي عبارة عن أحاديث وآيات قرآنية وأقوال العلماء والفقهاء في الموضوع المطروق.

أما الفصل الأول فترجمه بقوله: تعيين وقت وجوب الإمساك بالآية وما للمفسرين في ذلك.

 والآية هي قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أثموا الصيام إلى الليل﴾[5]، واعتمد مجموعة من التفاسير في تعيين وقت وجوب الإمساك بها، وهي: التسهيل لعلوم التنزيل لإمام أبي عبد الله الشهير بابن جزي، والجلالين، واللباب في مشكلات الكتاب للإمام أبي عبد الله الشطيبي، ولباب التأويل في معاني التنزيل لعلاء الدين أبي الحسن علي البغدادي المعروف بالخازن، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل لإمام أبي البركات محمد النسفي، ومفاتيح الغيب لأبي عبد الله الرازي، والكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري،  وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للإمام البيضاوي، وروح البيان لحقي، وتفسير الإمام القرطبي، وتفسير النيسابوري، وتفسير ابن عطية، وتبصير الرحمن وتيسير المنان لعلي المْهَايمي، وتاج التفسير لكلام الملك الكبير لأبي عبد الله محمد بن عثمان الميراغي، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم للألوسي، والسبع المثاني لأبي الثناء شهاب الدين محمود الألوسي الحسَني الحُسَيني، وغيرها.

وأما الفصل الثاني تناول فيه تعيين وقت وجوب الإمساك بالحديث، وما للعلماء في تفسيره وتبيينه.

قال رحمه الله بعد هذا العنوان: "اعلم أن الله تعالى بعث نبيه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ليبين للناس ما أوحاه إليه من أبواب العبادات ليأخذوا بها، ومن أبواب الآثام ليجتنبوها، وما ارتضاه لهم من الارتفاقات ليقتدوا بها، ومن هذا البيان قال صاحب الحجة البالغة: قد اتفق من يعتد به من العلماء على أن القياس لا يجري في باب المقادير إلخ، فمن علم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه)[6]  إلخ، وقوله: (إذا أقبل الليل من هاهنا إلخ) [7] تحقق أن أوقات الصوم مضبوطة"[8]  

ثم بعدما ذكر أن طاعة الصيام كان شائعة في اليهود والنصارى ومتحنثي العرب، وأنهم رأوا أن أصل الصوم هو قهر النفس، وما ابتدعوا في ذلك أتى بحديث البخاري ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم﴾ ثم أتى بمقالات شراح الحديث فيه منهم الحافظ ابن حجر، والزرقاني، والحافظ العيني، والعلامة ابن زكري، والشيخ التاودي ابن سودة وغيرهم.

 ثم ختم هذا الفصل بقوله:" والحاصل أنه لا يحرم الأكل والشرب إلا بطلوع الفجر، فالقول بإمساك ثلث ساعة مجانية، وهي عشرون دقيقة مجانية فضلا عن القول بوجوبه هو قول لا دليل عليه من الكتاب والسنة كما علمت لا نصا ولا ظاهرا، ومن زعم أن ثم نصا صريحا لا يقبل الاحتمال فليستدل به ودونه والله أعلم خرط القتاد، فالعمل به هو تشريع جديد من صاحبه مع الاعتراف بأنه لا حكم إلا لله"[9].

وأما الفصل الثالث تناول فيه تعيين وقت وجوب الإمساك بأقوال الفقهاء وما لهم في ذلك. تكلم فيه على ما كتبه وما قرره الفقهاء في أول وقت وجوب الإمساك، وعن الآلات القطعية المستعملة في تحديد الوقت مثل الإستطرلاب والربع والخيط المنصوب على خط وسط السماء، قال: "فإن ذلك كاف في معرفة الوقت"[10].

 وأيضا على ما اعتمدوه في معرفة دخول الوقت على مجرد رؤية المنازل طالعة أو متوسطة، قال: "فإنه لا يفيد معرفة الوقت تحقيقا وإنما هو تقريب"[11]ثم تكلم على مسألة تقليد المؤذن والعدل العارف في معرفة دخول الوقت، مستدلا على ذلك بأقوال فقهاء المذهب. ثم تحدث عن اختلاف الفقهاء في تقديم النية قبل الغروب أو أخرها حتى طلع الفجر، وأتى بكم هائل من أقوال الفقهاء في ذلك، إضافة إلى مسائل أخرى ناقشها في هذا الفصل.

واعتمدت في التعريف بهذا الكتاب على نسخة بالمكتبة الوطنية تحت رقم: 268د، مكتوبة بخط مغربي جميل، محلى باللون الأحمر، عدد صفاحتها: 44. مخصوصة الأخير.

 

**************

هوامش المقال:

[1] مصادر ترجمته، سل النصال (ص 126)، وإتحاف المطالع (2/485)، ومعجم المطبوعات (ص: 170 ـ 171)، والأعلام (6 /180)،

[2] سل النصال (ص: 92)

[3] اتحاف المطالع (2 /485)

[4] التنبيه والإعلام بوقت وجوب الإمساك لمريد الصيام، مخ الوطنية رقم: 286د، (ص: 2)

[5] البقرة  من الآية: 187

[6] رواه الشيخان، أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" برقم: (1906)، (3 /27)، وأخرجه مسلم في  كتاب الصيام،  باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما، رقم: (1080)، (2 /759).

[7] أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب: متى يحل فطر الصائم  برقم: (1954)، (3 /36).

[8] التنبيه والإعلام بوقت وجوب الإمساك لمريد الصيام، مخ الوطنية رقم: 286د، (ص: 14 ـ 15)

[9] نفسه (ص: 29)

[10] نفسه (ص: 33)

[11] نفسه (ص: 33)

***************

جريدة المصادر والمراجع:

-إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع، لعبد السلام ابن سودة تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1417 هـ ـ 1997 م.

-الأعلام لخير الدين، الزركلي، دار العلم للملايين، ط 15 مايو 2002 م

-سل النصال للنضال بالأشياخ وأهل الكمال، لعبد السلام ابن سودة تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1417 هـ ـ 1997 م.

-صحيح البخاري تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ.

-المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمسلم بن الحجاج أبي الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ـ بير ت.

-معجم المطبوعات المغربية لإدريس بن الماحي الإدريسي القيطوني، مطابع سلا الحي الصناعي لتابرايكت. سنة 1988هـ.

*راجع المقال الباحث: يوسف أزهار



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التعريف بكتاب إتحاف أهل الإسلام بأحكام الصيام للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي(ت974هـ

التعريف بكتاب إتحاف أهل الإسلام بأحكام الصيام للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي(ت974هـ

فقد جعل الله الصوم حصنا حصينا لأوليائه، وتولى جزاءه، وأضافه إليه دون غيره، إعلاما للكافة بباهر فضله، وعظيم جزائه، وخصه من الفضائل والحكم والأحكام بما تقصر العقول عن الإحاطة بعلي كماله وعليائه، وألف فيه السادة العلماء مؤلفات عديدة، منها كتاب " إتحاف أهل الإسلام بأحكام الصيام"...

بعض أحداث السيرة التي وقت في رمضان

بعض أحداث السيرة التي وقت في رمضان

تناقلت كتب الحديث والسيرة العديد من الأحداث التي وقعت في زمن النبي ﷺ، وقد ارتأيت في هذا المقال أن أخص الأحداث التي وقعت للنبي ﷺ في شهر رمضان الفضيل، أذكر منها...

فوائد إيمانية مع حديث: « من صام رمضان إيمانا واحتساباغفر له ما تقدم من ذنبه

فوائد إيمانية مع حديث: « من صام رمضان إيمانا واحتساباغفر له ما تقدم من ذنبه

 إن من رحمة الله وفضله علينا، أن جعل لنا في هذه الحياة الدنيا مواسم تمر علينا مرة واحدة كل عام ، نتزود فيها بالإيمان والتقوى، ونمحوا بها ما علق بقلوبنا من آثار الذنوب والمعاصي،  ومن أهم هذه المواسم: «شهر رمضان المبارك»...