الشمائل والدلائل النبوية

فن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبنائه
فن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبنائه

بسم الله الرحمن الرحيم:

 

 

الباحثة: دة خديجة ابوري* 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فكم من الأمورالتي نحتاج  فيها إلى الاستمساك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فما من صفحة من صفحات حياتنا  إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم  فيها توجيه إما بقوله أو فعله؛ وفي هذا المقال سأسلط الضوء على جانب مهم من هذه الجوانب وهو المعاملة مع الأبناء، وقد قسمته إلى مبحثين:

المبحث الأول: بنوة النبي صلى الله عليه وسلم.

المبحث الثاني: صور من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أبنائه وبناته.

وهذا أوان الشروع في المقصود فأقول وبالله أستعين:

المبحث الأول: بنوة النبي صلى الله عليه وسلم

لقد أكرم الله عز وجل  نبيه الكريم  -صلى الله عليه وسلم - بنعمة الأبناء، ورزق  بسبعة منهم: ثلاثة ذكور، وأربع إناث، فمن البنين ثلاثة وهم: القاسم، وعبد الله، وإبراهيم، وأما الطيب، والطاهر؛ فالصحيح أنهما لقبان لعبد الله([1]) وهؤلاء البنون وافتهم المنية وهم في سن الطفولة، وأما البنات فرزقه الله أربع بنات، وهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكلهن مُتْنَ في حياته صلى الله عليه وسلم قبله إلا فاطمة فإنها ماتت بعده بستة أشهر. وكل هؤلاء الأبناء من زوجه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، إلا  ابنه إبراهيم رضي الله عنه فأمه مارية القبطية رضي الله عنها التي أهداها إليه المقوقس ملك مصر.

وإن الناظر في أسماء أولاده جميعا يجدها كلها أسماء حسنة جميلة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على الأسماء الحسنة ويغير الأسماء القبيحة قال سفيان الثوري: «كان يقال حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأن يزوجه إذا بلغ وأن يحجبه وأن يحسن أدبه»([2])

المبحث الثاني: صور من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أبنائه وبناته.

إن الطريق الأيسر إلى قلوب الأبناء هو حسن رعايتهم وملاطفتهم، ومنحهم المزيد من الحب والحنان والاهتمام، مع تربيتهم وتنشئتهم على الخلق الكريم، وهو ما صنعه سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- مع أبنائه، وبناته، وحفدته، ومع سائر أبناء الصحابة رضي الله عنهم، وإن من يتصفح سيرته يجد أنه صلى الله عليه وسلم قد  راعى جملة من الأساليب التربوية في تعامله مع هؤلاء سأكتفي بذكر خمسة منها وهي:  

إظهار المحبة والحنان لهم: يحكي لنا أنس بن مالك عن حنو النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم يقول:«ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله، كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه لَيُدّخَنُ، وكان ظئره قينا، فيأخذه فيقبِّله، ثم يرجع»([3])

هذه العاطفة المليئة بالحب والحنان لم تشغل النبي صلى الله عليه وسلم عنها زحمة الواجبات وكثرة الأعباء، فلكل وقته، ولكل حقه في وقت النبي صلى الله عليه وسلم فاللغة التي يفهمها الطفل هي لغة الحب  التي تترجمها القبلة والحضن يقول أبو هريرة رضي الله عنه: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار حتى أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء إلى فناء بيت فاطمة فقال: «أثم لكع، أثم لكع»([4]) فحبسته أمه شيئا، فظننت أنها تلبسه سِخابا أو تغسِّله، فجاء الحسن يشتد حتى عانقه وقبَّله وقال: «اللهم أحببه، وأحب من يحبه»([5])، وعنه كذلك رضي الله عنه  قال: قَبَّلَ النبي -صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - : «من لا يرحم لا يُرحم»([6]).

البناء الإيماني:  عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مرو أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع»([7])

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: « دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى فاطمة رضي الله عنها من الليل فأيقظنا للصلاة قال ثم رجع إلى بيته فصلى هويا من الليل قال فلم يسمع لنا حسا قال فرجع إلينا فأيقظنا وقال قوما فصليا قال فجلست وأنا أعرك عيني وأقول إنا والله ما نصلي إلا ما كتب لنا إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا قال فولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ويضرب بيده على فخذه ما نصلي إلا ما كتب لنا ما نصلي إلا ما كتب لنا ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ﴾([8])»([9])

غرس القيم الفاضلة : عن  أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:«كخ كخ ([10]) إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة»([11]).

الاحترام والتقدير: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ، فقال صلى الله عليه وسلم: مرحبا يا بنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله ثم أَسَرّ إليها حديثًا فبكت، فقلت لها: لم تبكين. ثم أسرّ إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن. فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله، حتى قُبض النبي ﷺ، فسألتها فقالت: أسر إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك« ([12])

الإعداد للقيادة وتحمل المسؤولية: وقد روي عنه أنه صافح وبايع أطفالا صغارا منهم: أحفاده الحسن والحسين([13])، وليست هذه بيعة تكليف وإنما يراد بها تعويد الأولاد على تحمل المسؤولية.

 الخاتمة

وختاما فهذه هي بعض الملامح  من الهدي النبوي في تعامله مع أبنائه على وجه الإيجاز والاختصار، لأنه لا يمكن لي حصرها  في هذه العجالة ، ولكن يمكن القول بأن من ثمار هذه التربية أن نشأ جيل مثالي في إيمانه وأخلاقه ومعاملته وعلى المسلمين الاقتداء به صلى الله عليه وسلم مصداقا لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا([14])

***************

هوامش المقال:

 ([1]) زاد المعاد (1 /101).

([2]) ابن أبي الدنيا في كتاب العيال ص: (332) برقم: (171).

([3]) أخرجه مسلم في صحيحه (2 1095) كتاب: الفضائل، باب: رحمته الصبيان والعيال وتواضعه برقم: (2316)

([4]) أي: أين الصغير ومقصده الحسن. النهاية في غريب الحديث والأثر (4 /268).

([5]) أخرجه البخاري في صحيحه (2 /95) كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، برقم: (2122)،  ومسلم في صحيحه (2 /1136)كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل الحسن والحسين رضي الله عنهم برقم: (2421).

([6]) أخرجه البخاري في صحيحه (4 /91) كتاب: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته برقم: (5997)، ومسلم في صحيحه (2/1095) كتاب: الفضائل، باب: رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه، برقم: (2318).

([7]) أخرجه أحمد في مسنده (11 /369) برقم: (6756).

([8]) سورة الكهف من الآية: (54).

([9]) أخرجه أحمد في مسندة (2 /113) برقم: (705).

([10]) كخ كخ: هو زجر للصبي وردع. النهاية في غريب الحديث والأثر (4 /154).

([11])  صحيح مسلم (1 /476) كتاب الزكاة باب تحريم الزكاة على رسول الله وآله برقم: (1069).

([12]) أخرجه البخاري في صحيحه (2 /534) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الاسلام برقم: (3623)، ومسلم في صحيحه (2/1146-1147) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم برقم: (2450).

([13]) والحديث مرسل أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (3 /122-123) برقم: (2843) . قال الهيثمي: مرسل ورجاله ثقات مجمع الزوائد (6 /40).

([14]) سورة الأحزاب الآية: (21).

**************

لائحة المراجع المعتمدة في المقال:

1- الجامع الصحيح. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة. ط 1 / 1400هـ.

2- زاد المعاد في هدي خير العباد. ابن القيم الجوزية. تحقيق: شعيب الأرنؤوط- عبد القادر الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. ط3/ 1418-1998.

3- صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

4- العيال. أبو بكر بن أبي الدنيا. تحقيق: د.نجم عبد الرحمن خلف. دار ابن القيم - الدمام ط 1/ 1410-1990.

5- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي. تحقيق: حسام الدين القدسي. منشورات دار الكتاب العربي بيروت لبنان.

6- مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة. ط/2 - 1420- 1999.

7- المعجم الكبير. أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي. مكتبة ابن تيمية القاهرة.

8- النهاية في غريب الحديث والأثر. مجد الدين ابن الأثير الجزري. تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي . دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان . ( د ت ).

*راجع المقال: الباحث محمد إليولو



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

شَجَاعَةُ النَّبي ﷺ وَرَبَاطَةُ جَأْشِه

شَجَاعَةُ النَّبي ﷺ وَرَبَاطَةُ جَأْشِه

إنَّ الله سبْحانه وتَعالى خصَّ نبيه المصْطفى ﷺ بخصيصة الشجاعة والإقدام، وربط على قلبه في مواطن الشرف، فكان أشجع الناس، وأجرأهم على قتال المعتدين، ورد كيد الكافرين، وتلك خُلَّةٌ عُرف بها مِن قَبْلُ أباؤه وأجداده وأعمامه، توارثوها كابرًا عن كَابر...

كرم النبي ﷺ وجوده

كرم النبي ﷺ وجوده

كان ﷺ أجود الناس وأكثرهم عطاء ليس له مثيل وشبيه في ذلك، وقد جاءت الأحاديث تؤيد ذلك منها ما جاء من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: «كان النبي  ﷺ  أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس»...

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم النساء

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم النساء

حث الاسلام على التعليم ودعا إليه، وجعل للعالم مكانة رفيعة كما في قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ولم يفرق في ذلك بين الذكر والأنثى بل جعلهما سواء فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما النساء شقائق الرجال»....