فقه الحديث

من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم: «الوصايا التسع
من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم: «الوصايا التسع

بسم الله الرحمن الرحيم:

 

 

الباحثة: دة خديجة أبوري*

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فقد جاء في كتب السنة النبوية الشريفة بعض الوصايا الواردة عن النبي ﷺ لبعض أصحابه رضي الله عنهم، ولأهميتها أحببت في هذا المقال الوقوف على بعضها، فاخترت منها الوصايا التسع  لأبي الدرداء رضي الله عنه.

نص حديث الوصية النبوية:

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله ﷺ بتسع: «لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدا ومن تركها متعمدا برئت منه الذمة، ولا تشربن الخمر فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما، ولا تنازعن ولاة الأمر وإن رأيت أنك أنت، ولا تفر من الزحف وإن هلكت وفر أصحابك، وأنفق من طولك على أهلك، ولا ترفع عصاك على أهلك، وأخفهم في الله عز  وجل».

تخريج حديث الوصية النبوية:

أخرجه ابن ماجه في «سننه» مختصرا بإسناده عن راشد أبو محمد الحماني، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء .. الحديث([1]).

 قال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: هذا إسناد حسن شهر مختلف فيه([2]).

وأخرجه مطولا كل من البخاري في «الأدب المفرد» ([3])، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم  قدر الصلاة» ([4])،واللالكائي في «شرح اعتقاد أهل السنة» ([5]) كلهم عن راشد أبو محمد الحماني، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء رضي الله عنه.الحديث.

والحديث صححه الألباني كما في «الإرواء» ([6]) لشواهده كما سيأتي.

ومن شواهده أذكر:

*حديث أميمة مولاة رسول الله --: أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ([7])، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ([8])، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ([9]) كلهم من طريق يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، عن أبي يحيى الكلاعي، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن أميمة. الحديث بنحوه.

وهذا إسناد ضعيف لأن فيه يزيد بن سنان الرهاوي وهو ضعيف([10])

وحسنه الألباني كما في «صحيح الترغيب والترهيب» ([11]) وذلك بمجموع طرقه.

*حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أخرجه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة»([12]) قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: لا بأس بإسناده([13]).

*حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: أخرجه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» بإسناده عن عمرو بن واقد، عن يونس بن حابس، عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ([14]) الحديث بنحوه.

وعزاه المنذري في «الترغيب والترهيب» للطبراني في «معجمه الأوسط» وقال: لابأس بإسناده في المتابعات([15])وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ([16])وذلك بمجموع طرقه.

 *حديث أم أيمن رضي الله عنها: أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» ([17])، وأخرج بعضه محمد      بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ([18]) كلاهما عن مكحول، عن أم أيمن. الحديث بنحوه.

وهذا إسناد ضعيف لأن فيه انقطاع بين مكحول وأم أيمن؛ فإن مكحول عن أم أيمن مرسل([19]).

وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب»([20]) بمجموع طرقه.   

شرح معاني حديث الوصية النبوية:

فالوصية الأولى: فيها دعوة إلى الثبات على التوحيد، وعدم الشرك، وأن ذلك  أفضل وإن كان مكرها (وإن قطعت أو حرقت). قال ابن حجر الهيتمي: «شرط للمبالغة باعتبار الأكمل من صبر المكره على الكفر على ما هدد به»([21]).

وأما الوصية الثانية: ففيها الدعوة إلى المحافظة على الصلوات المفروضة وعدم تركها ومن تركها متعمدا فقد (برئت منه الذمة). جاء في النهاية: «فقد برئت منه الذمة» «أي:  إن لكل أحد من الله عهدا بالحفظ والكلاءة؛ فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم عليه، أو خالف ما أمر به، خذلته ذمة الله تعالى». ([22])

وأما الوصية الثالثة: ففيها أمر بالابتعاد عن شرب الخمر لأنه رأس الخبائث؛ لأن المانع من الفواحش هو العقل،ولذا سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن إتيان الموانع، و بزواله عن الانسان فإنه يقع في كل فاحشة عرضت له. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: « اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن خلا قبلكم تَعَبَّدَ، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني –والله- ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليَّ، أو تشرب من هذه الخمرة كأسا، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذا الخمر كأسا، فسقته كأسا، قال زيدوني، فلم يُرِم حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر؛ فإنها –والله- لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن يُخرج أحدهما صاحبه»([23]).

وأما الوصية الرابعة: فإنها تدعوا إلى بر الوالدين فيما لم يكن معصية ؛ إذ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»([24])( وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما)، وفي رواية: (وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك) أي: امرأتك، أو جاريتك، أو عبدك بالطلاق، أو البيع، أو العتق، أو غيرهما (ومالك) بالتصرف في مرضاتهما. قال ابن حجر: «شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضاً، أي: لا تخالف أحداً منهما وإن غلا في شيء أمرك به، وإن كان فراق زوجة أو هبة مال»([25]).

وأما الوصية الخامسة: ففيها نهي عن منازعة ولاة الأمر فيما هو من خصائصهم (وإن رأيت أنك أنت) أي: أنك أنت على الحق مصداقا لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾([26])وهذا ما لم يكن في معصية الله لحديث النبي ﷺ المتقدم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

وأما الوصية السادسة: ففيها النهي عن الإدبار والتولي يوم الازدحام للقتال (وإن هلكت وفر أصحابك) أي: ولو وصل بك الحال إلى أن تموت ويفر عنك أصحابك فلا تفر أنت. قال ابن حجر: «شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضا، وإلا فقد علم من قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾([27])أن الكفار حيث زادوا على المثلين جاز الانصراف»([28]).

وأما الوصية السابعة: ففيها الأمر بحفظ حق الأهل بالإنفاق عليهم (من طولك) أي: من فضل مالك، وفي معناه: الكسب بقدر الوسع والطاقة على طريق الاقتصاد والوسط في المعتاد([29])

وأما الوصية الثامنة: ففيها الأمر بتأديب الأهل ووعظهم  إلى ما فيه الخير والصلاح. قال          أبو عبيد بن سلام: «في حديث النبي عليه السلام : «(لا ترفع عصاك عن أهلك). قال الكسائي وغيره: يقال: إنه لم يرد العصا التي يضرب بها، ولا أمر أحدا قط بذلك، ولكنه أراد الأدب»([30])

وأما الوصية التاسعة والأخيرة: ففيها الدعوة إلى إنذار الأهل عن مخالفة أوامر الله بالنصيحة والتعليم، وحملهم على الالتزام بمكارم الأخلاق.

جعلنا الله جميعًا من أئمَّة المتقين، ومن التوابين المتطهِّرين، وبأخلاق النبي ﷺ مقتدين،  وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه.

*******************

لائحة المراجع المعتمدة:

1- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. محمد بن ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. بيروت. ط1/ 1399-1979.

2- الترغيب والترهيب من الحديث الشريف. عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. تحقيق: إبراهيم شمس الدين. دار الكتب العلمية – بيروت. ط1/1417.

3- تعظيم قدر الصلاة. أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المروزي. تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي مكتبة الدار - المدينة المنورة. ط1/  1406.

4- تقريب التهذيب . أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي. حققه وعلق عليه: أبو الأشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني تقديم: بكر بن عبد الله أبو زيد. دار العاصمة الرياض ط2- 1423.

5- سنن ابن ماجة. تحقيق: د/ بشار عواد معروف. دار الجيل بيروت. ط1 /1418-1998.

6- سنن النسائي. حكم على أحاديثه وآثاره وعلق عليه: محمد ناصر الدين الألباني. اعتنى به: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. مكتبة المعارف الرياض. ط1 /1417.

7- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم. أبو القاسم هبة الله ابن الحسن بن منصور اللالكائي. تحقيق: د/ أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي. دار طيبة الرياض. ط4 / 1416-1995.

8- صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري. محمد بن ناصر الدين الألباني. مكتبة الدليل. ط4/ 1418-1997.

9- صحيح الترغيب والترهيب. محمد ناصر الدين الألباني. مكتبة المعارف الرياض. ط1/1421-2000.

10- غريب الحديث. أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي. مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند ط1/ 1384 – 1964.

11- المراسيل. عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي. عناية: شكر الله بن نعمة الله قوجاني. مؤسسة الرسالة بيروت. ط2 /1418-1998.

12- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي. تحقيق: جمال عيتاني. دار الكتب العلمية بيروت لبنان. ط1 /1422-2001.

13- مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة. ط/2 - 1420- 1999.

14- مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه. أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني.تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي. دار العربية بيروت. ط 1403.

15- المعجم الكبير. سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني. تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي. مكتبة ابن تيمية القاهرة.

16- معرفة الصحابة. أحمد بن عبد الله أبو نعيم الأصبهاني. تحقيق: عادل بن يوسف العزازي. دار الوطن الرياض. ط1 /1419-1998.

17- المنتخب من مسند عبد بن حميد. تحقيق وتعليق: أبو عبد الله مصطفى بن العدوي. دار بلنسية الرياض. ط2 /1423-2002.

18- النهاية في غريب الحديث والأثر. مجد الدين ابن الأثير الجزري. تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي . دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان . ( د ت ).

***********

 

هوامش المقال:

([1])  سنن ابن ماجه (5 /500-501) برقم: (4034).

([2])  مصباح الزجاجة (4 /190) برقم: (1429).

([3])  صحيح الأدب المفرد ص: (38) برقم: (18) قال الألباني: حسن.

([4])  تعظيم قدر الصلاة (2 /884-885) برقم: (911).

([5])  شرح اعتقاد أهل السنة (م2ج4 /904) برقم: (1524).

([6])  إرواء الغليل (7 /89-91) برقم: (2026)

([7])  المعجم الكبير (24 /190) برقم: (479).

([8])  تعظيم قدر الصلاة (2 /885-886) برقم: (912).

([9])  معرفة الصحابة (6 /3264) برقم: (7518).

([10])  انظر ترجمته في: التقريب ص: (1076).

([11])  صحيح الترغيب (1 /369) برقم: (571) أي: حسنه بمجموع طرقه.

([12])  تعظيم قدر الصلاة (2 /889) برقم: (920).

([13])  الترغيب والترهيب (1 /214).

([14])  تعظيم قدر الصلاة (2 /890) برقم: (921).

([15])  الترغيب والترهيب (1 /215).

([16])  صحيح الترغيب والترهيب (1 /368) برقم: (569).

([17]) المنتخب من مسند عبد بن حميد (2 /427-429) برقم: (1592).

([18])  تعظيم قدر الصلاة (2 /886-887) برقم: (913).

([19])  قال أبو حاتم: سألت أبا مسهر هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما صح عندنا إلا أنس بن مالك. المراسيل ص: (211) رقم الترجمة: (382).

([20])  صحيح الترغيب والترهيب (1 /369) برقم: (573).

([21])  مرقاة المفاتيح (1 /219).

([22])  النهاية في غريب الحديث والأثر (2 /168).

([23])  أخرجه النسائي في سننه ص:  (849-850) كتاب: الأشربة، باب: ذكر الآثام المتولدة عن شرب الخمر برقم: (5666).

([24])  أخرجه أحمد في مسنده بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (6 /432) برقم: (3889).

([25])  مرقاة المفاتيح (1 /220).

([26])  سورة النساء من الآية: (59).

([27])  سورة الأنفال من الآية: (66).

([28])  مرقاة المفاتيح (1 /221).

([29])  مرقاة المفاتيح (1 /221).

([30])  غريب الحديث (1 /344) مادة: (عصا).

*راجع المقال الباحث: محمد إليولو



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا