المشيخة

ابن القطان- الجزء الأول
ابن القطان- الجزء الأول

 

 

 

   حين أمسكتُ القلمَ لأكتُبَ عن الإمام الكبير، والحافظ الخطير أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي، الفاسي، ثم المراكشي، الشهير بابن القطان (ت628)، خَفَقَ قلبي خفقان فؤادِ الدَّهِش، وتلجلج مني اللسان تلجْلُجَهُ في فَمِ العَطِشِ، واضطربت أناملي اضطراب فَرائِصِ الرَّعِشِ، وتملكني من الحيرة أضعاف ما تملك منها التَائِهَ في فلاة، فَوَقَفْتُ عنْدَ عنوانِ المقال وقوفَ الحَصِر، كلما ورد على الخاطر شيء رَدَّه العقل، وعَدَّتْه النّفْسُ قَاصِراً عن الوَفَاءِ بِبَعضِ حَقِّ هذا الإمام، وقَاعِدا عن القيام بجزء من وَاجِب التعريف به، حَتَّى إذا كَلَلْتُ مِن إجالة النظر، وعَيِيتُ من تقليب البَصر رَجَعْتُ إلى نفسي وقُلتُ: ما كل هذا التردد وأنتِ ترومين الكتابة في هذا الحيز: "علم الحديث بالمغرب والأندلس  القضايا والأعلام" عن ابن القطان، وهو عَلَمُ الأعلام وركن الأركان؟ إذا ذكرت الرواية بهذا القُطر المغربيِّ أدلى ابن القطان بصحيح الأسمعة، وإذا سأل الناس عن القائم فيه بالدراية كان ابن القطان الإمام الذي يجري ولا يُجْرَى مَعه، وإذا تجاذب البُحَّاثُ أطراف قضايا المصطلح، كشف ابن القطان خِبء الفن وأَطْلَعه. وابن القطان على شرط هذه السلسلة، بل هو قطب الدائرة فيها، وأيَّ شطر من شَطْرَيْهَا يَمَّمْتَ وَجَدْتَه فيه ماثلا مثول السيد البهلول بين قومه، قد توسط المجلس، واقتعد منه مكانا عليا. 

   وبعد التي واللتَيا عَنَّ لي أنه لا يصلح أن يكون عنواناً لمقالٍ عن ابن القطان إلا "ابن القطان" مُجَرَّدا ذلك العنوانُ عن لفظ سابق، وآخر لاحق. إذ إن "ابن القطان" لوحده قائم مقام العنوان التام الذي تأبى طبيعتُه الزيادةَ عليه، وتغني دَلاَلتُه على معناه عن الاستعانة بِكِلْمَةٍ أخرى لاستتمام المعنى. كما أنني بعد إلحاحٍ في الاستدعاء لم يجبْني من الحروف إلا ما يَتَكوَّن منها  اسم "ابن القطان"؟، ذلك أن في الحروف من هيبة المعاني كالذي في الخادم من هيبة المخدوم، إذا صَحَّ كون الحروف خادمةً؛ لما تقوم به من دور إظهار المعاني، فكأن هذه الأخيرة جواهر، والحروف أعراضها لا قيام لها إلا بها، ولما كان المعنى المراد إبرازه، هو الشخصية العلمية لابن القطان، وكان هذا المعنى من الجلالة بمكان ثقل أمره على الحروف وناءتِ بِحمْلِهِ الكلمات، وعز عليها تأديته إلا إذا أَدَّتْهُ الحروف التي يتكون منها ما اشتهر به هذا العلم الفرد: ا – ب –ن –لام التعريف – ق – ط – ألف المد – ن.

   كان هذا أمر العنوان وما عانيت فيه من شدة، كأنما أَصّعَدّ شاهقا، والعنوان سر ما تحته.

   لقد قصصت هذه القصة إبداءً للعذر وأنا أريد أن أكتب عن ابن القطان بمناسبة انعقاد ندوة عنه، فضاقت علي مذاهب القول، والعجز عن البيان في كثير من الأحايين بيان.

   كان هذا حالي مع "ابن القطان" عندما أردت التعريف به مواكبة للندوة العلمية المدرسة الحديثية بالمغرب والأندلس ابن القطان نموذجا" يومي: السبت والأحد 2-3 ذو القعدة 1432 الموافق لـ 1-2 أكتوبر 2011، التي تنظمها الرابطة المحمدية للعلماء بمباشرة مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة الكائن بمدينة العرائش، والذي يَشْرُفُ كاتب هذه الأحرف بإدارته.

د/ محمد السرار



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ابن القطان- الجزء الثالث

ابن القطان- الجزء الثالث

هذا هو الجزء الثالث من هذه السلسلة من المقالات التي أكتبها عن الإمام ابن القطان. وقد خصصت هذا الجزء للكلام عن شيوخ ابن القطان، لأنهم بُناةُ شخصيته العلمية، وصَنَعَةُ هويته المعرفية، فالتعريف بشيوخ المترجَم من جملة التعريف به، ويستدل على مَحَالِّ العلماء ومراتبهم بالمقروء من العلوم، والمُتلمذ عليه من الشيوخ؛ إذ العلم معنىً لا يَنتقل - غالبا - سليما من التحريف، وأعوجِ الفهوم إلا إذا انتقل من أفواه المشايخ إلى صدور التلاميذ.

ابن القطان- الجزء الثاني

ابن القطان- الجزء الثاني

لقد كان من شأني مريدا الكتابةَ عن ابن القطان ما كان. طودٌ شامخ، ومجْدٌ باذخ، أنّى يبلغ القلم الإعرابَ عن بعض ما له من عظيم الشان. هيهات هيهات، وفرس الكلام كهام، وحلبة هذه الترجمة لا تُرى لها غاية، قد ركضت فيها لفرسان التراجم أجياد.