علم الحديث بالمغرب

قضية حمل الكتب
قضية حمل الكتب

 

 

[بقلم د/ محمد السرار رئيس المركز]

رحلة المغاربة والأندلسيين للمشرق لطلب العلم مشهورة معلومة، وقد وثقوا ذلك في كتب الرحلات والتراجم، والمشيخات والمعاجم. وكانوا يستثمرون الرحلة إلى الحج لطلب العلم. فهو: "حج وحاجة" فكان لقاء كبار المشايخ، وكتب العالي من الأسانيد، ورواية الكتب عن مصنفيها أو رواتها، من أعظم مقاصدهم. فغدت تلك الرحلات من أعظم الطرق التي دخلت منها كتب الحديث بمختلف فنونه إلى المغرب والأندلس.

وقد اجتمع في هذا الداخل من الكتب أمران، كل منهما جليل في نفسه.

أولهما: كثرة هذه الكتب وأهميتها.

وثانيهما: كون عامتها مسموع لمن حمله، فحماه بذلك عن بوادر التصحيف والتحريف، مع اتصال سنده بمصنفه. ومن طالع فهرسته ابن خير، ورحلة ابن رشيد علم الكثرة الكاثرة لتلك الكتب مع أهميتها القصوى.

ولقد شاع في كتب التراجم ذكر كثير من المترجمين المغاربة والأندلسيين فيها، بأولويتهم في إدخال كتب بأعيانها إلى المغرب والأندلس، أو مزيتهم بحمل كتب العلم عموما والشغف بذلك. وممن ذكر بهذا في ترجمته الإمام الحافظ أبو موسى عيسى بن سليمان الرعيني الأندلسي صاحب المعجم المشهور، الذي كان أحد كبار الأئمة الأثبات، وصاحب رحلة واسعة إلى المشرق، بحيث مكث هنالك نيفا وعشرين سنة "أدخل كثيرا مما لم يكن وصل المغرب" من كتب العلم وبث ذلك في المغرب والأندلس، وممن سمع منه بالمغرب الإمام ابن فرتون وذلك بسبتة1. 

ولقد شكلت قضية العناية بجلب كتب الحديث إلى المغرب والأندلس ظاهرة تستحق الوقوف الطويل، وكشف كثير من جوانبها التي لم تجمع باستقصاء بعد. ولنا إن شاء الله تعالى عودة إلى هذا الموضوع فيما يستقبل، والحمد لله.

 

------------------------

1. يراجع في المعلومات المذكورة عن الرعيني تذكرة الحفاظ للذهبي، 4/1458. 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تحديث المغاربة بالمشرق

تحديث المغاربة بالمشرق

كان التصدر لإملاء الحديث مما ينبئ عن علو كعب المتصدر لذلك في هذا الفن، فما كان في الغالب يتصدر إلا الثقة، الضابط لما روى، الكثير المشايخ، المنفرد بلقاء الكبار، المتميز بعالي الأسانيد، وذلك لأن طلبة الحديث كانوا في العصور الأولى يميزون بين مراتب المشتغلين بهذا الفن...

رحلة المغاربة في طلب الحديث

رحلة المغاربة في طلب الحديث

قل أن ينفك طلب العلم عموما عن الرحلة إلى أهله، وفي قصة موسى مع الخضر في سورة الكهف ما يدل لهذا المعنى، وإذا كانت الرحلة لطلب العلم عامة من أعظم وسائل تحصيله، فإنها في علم الحديث...

هل المغرب دار حديث؟ الجزء السادس

هل المغرب دار حديث؟ الجزء السادس

الحضارة تتنقل بين البلدان تنقُل الظاعن، وحيث مكث نزلت بساحتها المعارف والعلوم، إذ لا قيام للحضارة إلا بها، كما أن العلوم يكون لها في أزمان معينة ببعض الأعلام رواج، ثم يضعف الأمر بعد ذلك، بل كم من أرض كانت في زمان الذهبي ليس فيها من يدري ما الكتاب ولا الإيمان...